أبي منصور الماتريدي
424
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الآية [ التحريم : 6 ] . وقال : لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ . . . الآية [ الأنبياء : 27 ] . وقال : لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ . . . الآية [ الأنبياء : 19 ] . وصف الله تعالى طاعتهم له ، وائتمارهم إياه ؛ فلو كان اللعين الرجيم منهم لأطاعه كما أطاعوه . والثاني : قوله : خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ الأعراف : 12 ] والملائكة إنما خلقوا من النور . والثالث : قوله تعالى : كانَ مِنَ الْجِنِّ [ الكهف : 50 ] ولم يقل من الملائكة فدلّ هذه الآيات أنه لم يكن من الملائكة . ثم قال في قوله : فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ : إنه قد يجوز الاستثناء من غير نوع المستثنى منه ؛ نحو ما يقال : دخل أهل الكوفة هذه الدار إلا رجلا من أهل المدينة . وذلك جائز في اللغة . ويستدل بالاستثناء أن الأمر كان عليهم جميعا في الأصل ، وكان الأمر بالسجود له وللملائكة جميعا ؛ كقوله : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ [ البقرة : 199 ] دل أن كان هنالك أمر للناس بالإفاضة ، فكذلك الأول ، والله أعلم . وذهب من قال : إنه من الملائكة ، أنه لما لم يذكر في قصة من القصص - مع كثرة التكرار لها في القرآن ، وغيره من الكتب السالفة - أنه ليس منهم ، وليس فيما ذكر من الآيات ما يدل على أنه لم يكن منهم ؛ لأن قوله : لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ التحريم : 6 ] لو لم يتوهم منهم العصيان والخلاف لله تعالى لم يكن للمدح بالطاعة والخضوع له معنى . ألا ترى إلى قوله : وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ . . . الآية [ الأنبياء : 29 ] مع ما ذكرنا : أنهم يمتحنون بأنواع المحن ، وكل ممتحن في شئ يجوز كون المعصية منه والخلاف لديه . وأما قوله : كانَ مِنَ الْجِنِّ [ الكهف : 50 ] أي صار من الجن . وقيل « 1 » : الجنّ أراد به الملائكة ؛ سمّوا جنّا لاستتارهم عن الأبصار ؛ كقوله : وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ [ النجم : 32 ] . وأما قوله خلق الملائكة من النّور ، وإبليس من النار - فهو واحد ؛ لأنه أخبر - عز
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 695 ) عن ابن إسحاق .